… في الظل …

من الجرد والقميص العربي والكردّية, إلى البنطلون وحذاء النايكي والقميص الغربي. يدور الزمن دورته في دوائر للأمام وتتوالى العقود كأنها ساعات, ولم يتغير من المرأة في بلادنا سوى زيها الذي لا يحمل هويتها ولا تبدو عليه معالم ثقافة بعينها ,ولا ترسم خطوطه حضارة معينة, بل يترأى فيه للرّائي تعاقب ثقافات وحقب تاريخية وجيزة لم تضرب بجذورها فيه. نراها تركب السيارة إلى جنب الرجل وتقودها أيضاّ، ونراها في الفصل وفي المحكمة وغرفة العمليات وأروقة المشافي وأمام كاميرات التلفزة. امرأة مستقلة تكسب قوتها بكدّها, وتمتلك حساباً مصرفياً وتأخذ أحياناً كثيرة حصّتها الشرعية في الميراث.

وفي خضم مسؤولياتها المتلاحقة نسيت المرأة أن تشرك ذاك العضو الذي وضعه الله في داخل جمجمتها, في موكبها نحو الحياة العصرية. فظل على حاله منذ زمن السدّة وعربة الكارّو, بل أظن أنه اختبأ هناك ليحمي نفسه من الأفكار المبتدعة والغزو الثقافي. لقد أهملت المرأة تطوير دماغها وتحديثه بالأفكار المصاحبة للعصر الجديد لأن الوقت لم يكن يتسع لذلك, لم يكن يتسع لمهمة جديدة بهذا التعقيد تتطلب وقتاً والتزاما ومناخاً ملائماً فوق مهامها الكثيرة.

فهي تذهب للمدرسة لتحضر حصة الأحياء وتقضي حصة المطالعة المكتبية في الحديث مع صديقاتها عن معلمة الرياضيات التي لم تتزوج حتى الآن وحصة الرياضة في تعويض درس النحو. وتعود للمنزل لتكنس وترتب غرفة أخيها الأكبر وتغسل ملابس أخيها الأصغر. وتتخرج وتحصل على شهادتها العلمية وأحياناً كثيرة تعمل في وظيفة تدرّ راتباً شهرياً، أو تجلس في المنزل في ظل والدها وإخوتها لتكتب قائمة أحلامها في انتظار الفارس الذي يأتي بمصباح علاء الدين ليحققها لها .. وتنتقل إلى ظلّه. فبشرة المرأة في ليبيا لا تحتمل شمس الصحراء اللّيبية الحارقة .

إلاّ أنها وبعد مدّة تمزق القائمة وترى أن الوقت لن يسعفها، فتقضي ثلثي وقتها الثمين في إنجاب الأطفال والاعتناء بهم وتربيتهم وغسيل ملابس زوجها، والثلث الأخر في المجاملات الاجتماعية وسلسلة من المناسبات السعيدة والحزينة على حد السواء والتي تدخلها محمّلة بأخبار الجارات والقريبات وتخرج منها محمّلة أيضاً .فلم يعد ثمة وقت وسط هذه الحياة الحافلة لأن تهتم المرأة بالإنسان فيها, لأن تسبر كوامنها, وتكتشف طاقات روحها وأماكن ازدهار عقلها ومجالات إبداعها. ولا لأن تستقطع وقتاً تنمي فيه معرفتها وتغذّيها بما يناسب مزاجها الثقافي .

إلى أين سيؤدي هذا ؟ إلى أين سيؤدي في بلادنا ؟ كيف تنتفع المرأة بالثقافة في ليبيا ؟

فأنا لن أمسك السوط وأبدأ في جلد وضع المرأة في مجتمعنا ولن أرثي لحالها أيضاً , وأيضاً لن أضع اللّوم على الرجل ولن أصفه بالذكوري المتعصب جزافاً. لن أقف على منصة جمعية من جمعياتنا النّسوية المطمورة تحت اللاّوعي وأصرخ مستجدية من المجتمع دموعاً نواسي بها هذه الطفلة الضعيفة ! الرجل لم يظلم المرأة فعلياً , على الأقل رجل هذا العصر. لم يقيّدها بسلسلة أطول من تلك التي قيدت بها نفسها وشدّ المجتمع بمكوناته المتكاملة وثاقها .

لا نريد أن ننسى أن مجتمعنا “الذكوري” نصّب المرأة مسؤولة عن تربية الأطفال حين كان الرجل منشغلاً بتوفير لقمة العيش، ولم تفعل المرأة سوى أنها أنتجت رجالاً آخرين ممن ينشغلون بتوفير لقمة العيش ونساء أخريات يعشن الدّور نفسه دون اعتراض.

لقد وصلنا لعصرنا هذا بذات المجتمع ” الذكوري ” الذي بدأنا به منذ ملايين السنيين لأن المرأة لم تعترض ولأن احداً لن يعترض بالنيابة عنها.

المرأة لم تطالب بحقوقها؛ لأنها لا تعلم ولا تعي ما تعلم من حقوقها. لأن المدرسة تفتقر إلى مناهج علمية ومعرفية تبني فيها الإنسان وتحث ذاك العضو الذي وضعه الله داخل جمجمتها كما وضعه في جمجمة الرجل, على التطور وتحقيق سبب خلقه؛ وبالتالي هي لا تملك منهجاً ومرجعية تبنى بها الأطفال الذين تقضي ثلثي وقتها في تربيتهم والاعتناء بهم .

ولا تتوفر المناهج العلمية والمعرفية لأن مثقفينا اكتفوا بإلقاء شعر المراثي من فوق منصات الصحف والجمعيات المناصرة للمرأة , ولأن مسؤولينا لم ينتبهوا في غمرة انشغالهم ببناء الدولة المزعومة لهذه الفجوة الغائرة المتفاقمة باستمرار ونسوا بناء المرأة التي ستبني بدورها أفراد الدولة . ولأن الإعلام يهتم بالحرب وأعداد الموتى, والجمعيات النسوية تهمس بندواتها التوعوية في أذن طبقة اجتماعية لا تحتاج التوعية.

المرأة أيضا ساهمت في إنشاء المجتمع بهذا الشكل باحتياجها المزمن للرجل. فهي تحتاجه ليسترها في منزله وينفق عليها ويحميها من الذئاب المتربصة بها بمجرد أن تطأ بقدمها خارج المنزل , وتحتاجه ليسمح لها بقيادة السيارة في حال لم يسمح لها والدها أو إخوتها الذكور, وفي حالة لم يسمح هو أيضاً بذلك فستحتاجه ليقلّها للسوق ولمكان عملها ومكان دراستها, ولتستطيع التجول بحرية ليلاً في المدينة وترتاد المطاعم والأسواق دون أن يستخف بها أحد وبعقلها الصغير ويغش بضائعها. وتحتاجه أيضاً لتتجنب نظرات قريناتها وكلامهن ولا تمسي كمعلمة الرياضيات التي لم تتزوج حتى وصلت ثلاثينات عمرها, ولتعتز بالسّند الذي هو حتماً أفضل من “الحيطة” والوحدة .

وبهذه الطريقة تعيش مكتسبة احترام هذا المجتمع الوقور الذي لا ينفك يضعها تحت التقييم ما حيت. ودون أن تلقى لها التهم بالتحرر والانفتاح. في مجتمع غير مصمم ليسهل على المرأة التجوال فيه لا نستطيع لومها لاختيارها الرجل كحلّ لمشكلة خلقها الرجل منذ زمن بعيد واستمرت لأنها لم تقوى على فعل شيء.

لقد طرح الكاتب الصادق النيهوم في مقالة له حلاً لمشكلتنا الذكورية, وأشار أن الحل عند المرأة وأن عليها أن تكسب قوتها بعرق جبينها وتكفّ عن التسول المقنع من الرجال وتكتسب حقوقها اكتسابا .

وها نحن بعد ما يقارب أربع عقود ونيف من اقتراح النيهوم والمرأة مستقلة اقتصادياً وكتفها بكتف الرجل في ميادين العمل. ولكنها على عكس ما قال لم تخرج بذلك من قفص التقاليد والعادات الاجتماعية ولم تستقل ثقافياً ولا فكرياً ولم تكتسب حرية إرادتها بل لازالت تتشكل بطبيعة مجتمعها خاطئة كانت أم صحيحة.

أنا لا أقول أن ليبيا تعدم النماذج الناجحة والنساء البارزات برؤسهن من بين كثباننا الرملية. ولكني أقول أن بلادنا ليست أرضاً خصبة للأحلام بشكل عام وأن مجال الحلم أمام المرأة ضيق ومقنن لحد كبير وأننا كحال بلدان عربية عدّة وأسوء من بلدان كثيرة لا نملك جرأة فتح أعيننا والنظر إلى الجرح الدّامي .

ولا أقول بأن على المرأة أن تطالب بحقوقها وتدخل حربها الشعواء مع مجتمعها, ولكني أناديها،  اناديها بأن تعي مدى تورّطها في الجريمة الذكورية وأن أحداً لم يزّج بها في زنزانة لا تملك هي مفاتيحها وهذه خطوة أولى .

                                                                  . تمّت .

Artwork by Libyan artist Najla Shawket Fitouri

Leave a Reply

*